الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية حرب الشاهد على الفسـاد: حقيـقـيـة أم انتقـائـيـة؟

نشر في  05 جويلية 2017  (11:16)

«إما تونس وإما الفساد.. وأنا اخترت تونس»، بهذه العبارة أعلن يوسف الشاهد حربه على الفساد، مؤكدا أن هذه الحرب لن تتراجع ولن تخمد وستشمل كبار الفاسدين من رجال اعمال ومهربين وموظفي دولة مستندا في ذلك على قانون الطوارئ نظرا لهشاشة القاعدة القانونية في مجال محاربة الفساد، وبالفعل انطلق الشاهد، في حربه، بجملة من الاعتقالات ووضع عشرة رجال أعمال ومهربين تحت الاقامة الجبرية وفقا لقانون الطوارئ، اثر اتهامهم في قضايا تتعلق بالفساد والتآمر على أمن الدولة وتمويل الحركات الاجتماعية واحالة ملف احدهم ونقصد رجل الاعمال شفيق جراية على القضاء العسكري.

كما أعلنت لجنة المصادرة الاسبوع الفارط عن مصادرة الأملاك المنقولة والعقارية والأملاك الراجعة لعدد من المهربين ورجال اعمال، وشمل القرار كلا من الحبيب بن عبد القادر حواس وينشط في تجارة وتهريب النحاس بجهة القصرين، وكمال الشملي وشقيقه صلاح الدين الشملي، وينشطان في تجارة الاقمشة بالقيروان، والصحبي بن محمد بن التومي سعد الله، وشكري بن البشير بريري، ومبروك بن عبد اللطيف بن مبروك خشناوي وينشط في المجال السياحي وهو صاحب نزل بالحمامات، وسمير بن منصور بن راشد وهو اطار ديواني متقاعد.
كما تم في وقت سابق مصادرة املاك كل من شفيق جراية ومنجي بن رباح وكمال غلام وياسين الشنوفي ونجيب بن اسماعيل وعلي القريري وهلال بن مسعود ومنذر جنيح.
وفي نفس السياق تم تجميد اموال رجل الأعمال ورئيس حزب الاتحاد الوطني الحر سليم الرياحي والتي تصل الى حدود 80 مليون دينار من أجل جرائم تبييض وغسل أموال، وتمت احالة الأموال المجمدة بمقتضى قانون الارهاب وتبييض الأموال الى الخزينة العامة للدولة التونسية.

تباين الآراء حول حرب الشاهد على الفساد

ورغم الدعم الشعبي ليوسف الشاهد في حربه على الفساد، فان الآراء تباينت حول انجازات الشاهد، ففي حين تدعم فئة قرارات رئيس الحكومة وتدعوه الى مواصلة حربه دون هوادة، يشكك آخرون في قدرة الشاهد على المضي في هذه الحرب وأن قراراته انتقائية ولم تطل بعد اباطرة الفساد والجهات النافذة في الدولة ومختلف المجالات الحيوية، وفئة ثالثة ترى ان ما يقوم به الشاهد مجرد ذر رماد في العيون ولا يرتقي الى مستوى الحديث عن حرب على الفساد، ولن نخفي الرأي القائل ان هذه الحملة ماهي الا بروباغندا انتخابية وكسب للدعم الشعبي.
وبين هذا وذاك، تطالب جهات اخرى بتوسيع دائرة الاعتقالات لتشمل كبار رجال الاعمال و سياسيين ونوابا واعلاميين وموظفي دولة واطارات امنية واعوان ديوانة، وغيرهم ممن ساهم بطريقة او بأخرى في انتشار الفساد واستفحاله، ويرون أن الشاهد لم يتخذ الى حدّ هذه اللحظة القرارات الصائبة بل لم ينطلق بعد في حربه على الفساد، وأن الحرب على الفساد يجب أن تكون شاملة ولا تخضع لمبدأ الانتقائية

هل هي حرب انتقائية؟

ومن اول الذين تم القاء القبض عليهم ووضعهم تحت الاقامة الجبرية نذكر رجل الاعمال شفيق جراية، لكن وباحالة جراية على القضاء العسكري واصدار بطاقة ايداع بالسجن ضده، من اجل الاعتداء على أمن الدولة الخارجي والخيانة والمشاركة في ذلك ووضع النفس تحت تصرف جيش أجنبي زمن السلم، تبين أن القاء القبض على شفيق جراية يدخل بالأساس في خانة التآمر على أمن الدولة ولا علاقة لايقافه بمحاربة الفساد حسب من أكده عدد من المحامين، مع العلم ان الجهات المعنية قامت بمصادرة أملاك جراية واسترجاع 62 سيارة على ملكه، وضبط عدد منها بحوزة شخصيات سياسية معروفة واعلامية ونواب كما تمّ استرجاع حوالي 20 شقة بعضها يقطنها إعلاميون وسياسيون أيضا، وهو ما دفع بالبعض الى التشكيك مجددا في حرب الشاهد على الفساد، حرب لم تطل سوى بعض المهربين، ورجل سياسي ونقصد المرشح السابق لرئاسة الجمهورية ياسين الشنوفي والاعلامي سمير الوافي واطار ديواني متقاعد، والرئيس السابق لفرقة مقاومة الارهاب صابر العجيلي الذي توسط لرجل الاعمال شفيق جراية من اجل اطلاق سراح موقوفين على ذمة جرائم ارهابية، ايقافات وصفها البعض بالانتقائية وانها لم تطل بعد اباطرة الفساد .

شوقي الطبيب: بعض الأحزاب تسعى لعرقلة حملة الشاهد

من جهته نوه رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، شوقي الطبيب بقرارات يوسف الشاهد في طريق محاربة الفساد، والتي بدأت بالمصادقة على الإستراتيجية الوطنية في هذا الإطار، مشددا في الآن ذاته على أن هذه الإجراءات تبقى غير كافية في مواجهة ما أسماه بـ«غول الفساد» الذي يتطلب تفكيك منظومته بالكامل تدريجيا.
ووصف رئيس الهيئة، الفساد بأنه «أمّ كل المشاكل» التي طالت كافة قطاعات البلاد كقطاع التربية علاوة عن تسببه أيضا في تنامي ظاهرة الإرهاب وهروب المستثمرين، معتبرا أن جولة واحدة تم خوضها في إطار «الحرب المقدسة على الفساد» والتي حظيت بدعم شعبي واسع لدى التونسيين..
واكد الطبيب أن مواقف الأحزاب وخاصة منها الكبرى، من الحملة على الفاسدين لم تكن في مستوى رد فعل الشارع التونسي وتأييده لهذه الخطوات، مضيفا أن بعض الأحزاب تسعى لعرقلة الحملة .
ورفض شوقي الطبيب ضيف برنامج «باريس تونس» الذي يقدمه الإعلامي توفيق مجيد على فرانس 24 التقليل من شأن القضاء العدلي بسبب اللجوء إلى القضاء العسكري للتعامل مع ملفات الفساد، مضيفا القول « نسق تعامل القضاء العدلي مع ملفات الفساد كان بطيئا والمسؤولية تتحملها الحكومات المتعاقبة بما فيها حكومة الشاهد التي لم تمكنه من الإمكانيات اللازمة لأداء مهامه، وأكبر دليل هو الحالة السيئة لبعض المصالح القضائية كالقطب القضائي المالي ومحكمة التعقيب ودائرة الزجر المالي.

كثير بوعلاق: الزغاريد اكثر من الكسكسي

أما الكاتب العام للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الأستاذ كثير بوعلاق، فأكد لأخبار الجمهورية، ما يتفق على تسميته الحرب على الفساد مسألة غير واضحة، لان رئيس الحكومة والى حدّ هذه اللحظة لم يتطرق الى منظومة الفساد على حدّ تعبيره، مضيفا أن كل ما في الأمر أنه تم وضع مجموعة من الأشخاص تحت الاقامة الجبرية دون تبرير أو توضيح فحوى ملفاتهم، اما بخصوص ايقاف رجل الاعمال شفيق جراية، فذكر محدثنا أن الأمر لا يتعلق بمكافحة الفساد بل بقضايا ذات صبغة ارهابية .
واكد الاستاذ كثير أن حملة الشاهد رافقتها موجة من المدّ الشعبي وتشجيعات متواصلة لمواصلة الضرب على ايادي الفاسدين، لكن على المستوى القانوني والاجرائي والاداري لا وجود لأي تقدم ـ والكلام على عهدة محدثناـ، اما بخصوص قرارات المصادرة فذكر أنها اجراء تحفظي في انتظار ما سيقرره القضاء، مبينا في الآن ذاته أن الهيئة سلمت عديد الملفات الى الجهات القضائية والى رئاسة الحكومة ولكن لا جديد يذكر قائلا: «في موضوع مكافحة الفساد الزغاريد اكثر من الكسكسي» . مؤكدا ان ما قام به الشاهد في مسألة النقل والتجميد امر محمود لكنه لا يعد سوى صنتمتر واحد من رحلة مكافحة الفساد والمطلوب منه هو قطع الألف ميل، لأن ما قام به الى حد الآن هو عبارة عن مسائل ثانوية لم تطل المنظومات الادارية والصفقات العمومية والمنظومة الديوانية وغيرهات من المنظومات على حد تعبيره .
وذكر كثير بوعلاق ان القاء القبض على شفيق جراية وسمير الوافي هو عبارة عن بوز اعلامي اكثر منه محاربة فساد، وشدد بوعلاق على ضرورة التصدي لمحاولات تركيع الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وذلك من خلال التصدي لمشروع القانون الأساسي للهيئة الدستورية للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد الذي سيعرض على التصويت في جلسة عامة لمجلس نواب الشعب بتاريخ 4 و 5 جويلية، وقال: «لقد سبق ودعونا السادة النواب الى ضرورة تعديل مشروع القانون المقترح تعديلا جوهريا بما يكفل احداث هيئة دستورية بمقومات تضمن لها الجدوى والنجاعة في مكافحة الفساد».

الائـتـلاف المـدني لمـكافـحـة الفـســاد حـول الحملة الأخيرة ضد الفساد والفاسدين

من جهته أكد الائتلاف المدني لمكافحة الفساد عن دعمه المبدئي لكل الاجراءات الجدية الرامية الى شن حرب حقيقية وشاملة ضدّ الفساد والفاسدين معتبرا الاجراءات الاخيرة تقدما ايجابيا، مؤكدا في المقابل ان هذه الاجراءات غير كافية لإقتصارها على عدد محدود من المشتبه بتورطهم في الفساد ولغموض الاجراءات المتخذة .
واكد الإئتلاف المدني لمكافحة الفساد على ضرورة اعلام الرأي العام بمجريات وتطوّرات الحملة ضدّ الفاسدين وتوضيح خلفيّات الايقافات الأخيرة والأشخاص المعنيّين والتهم التي يواجهونها، ويدعو الحكومة إلى تحسين منظومة الاتصال والتواصل في علاقة باستراتيجيتها الخاصة لمكافحة الفساد:
ـ توجيه المعركة ضد منظومة الفساد في شموليتها وبكل أشكالها ومظاهرها وخاصة منها القانونية والإدارية بغرض تفكيكها والحد من آثارها على الإقتصاد الوطني.
ـ ضرورة إحترام الإجراءات القانونيّة من أجل ضمان حقوق الدفاع لكلّ المتهمين وفق ما يقتضيه دستور البلاد ومعايير المحاكمة العادلة، وإحالة القضايا المتعلقة بالفساد على قطب القضاء المالي دون القضاء العسكري، بإعتبار أن الخلل في الإجراءات لا يخدم إلا الفساد والمفسدين ويساهم في إفلاتهم من العقاب وفي التوسيع غير المبرر لدائرة المتعاطفين معهم.
ـ ضرورة فتح أبحاث إدارية وعند الإقتضاء جزائية في البطء غير المبرر لتتبع الفاسدين من طرف القضاء العدلي إذا ما ثبت وجود قضايا ضدهم تأخر حسمها قضائيا بشكل يثير كل شبهة جائزة أو يهدد النظام العام لخطورة الأفعال المنسوبة ولحجم القضايا المتعلقة بالفساد التي تأخر الفصل فيها.
ـ تطوير الإطار التشريعي لمكافحة الفساد والإسراع بالمصادقة على مشاريع قوانين مكافحة الإثراء غير المشروع والتصريح بالمكتسبات ومنع تضارب المصالح وسن النصوص التطبيقية لقانون حماية المبلغين.
ـ مراجعة مشروع قانون الهيئة الدستوريّة الدائمة للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد بصفة جوهرية وشاملة بما من شأنه أن يمنح الهيئة كامل الصلاحيات والوسائل والاستقلالية اللازمة لأداء المهام المنوطة بها.
ـ التفعيل الفوري للاستراتيجيّة الوطنيّة للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد وخطّة عملها التي تبنّتها الحكومة وأمضت على ميثاقها مع سائر الأطراف المتداخلة منذ يوم 09 دسيمبر 2016.
ـ سحب مشروع قانون المصالحة المالية والاقتصادية الذي يهدف الى العفو عن متورطين في الفساد من موظفين ورجال أعمال وذلك لطمأنة الرأي العام وتأكيد جدية السلطة التنفيذية في حربها على الفساد والفاسدين.
ـ تطوير الإطار التشريعي من أجل تجاوز النقائص التي تم تحديدها في آلية الاستعراض لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

اعداد: سناء الماجري